Uncategorizedثقافة

التراث والفعل الثقافي الثوري

الهادي بلحاج محمد (تونس في 27جـــوان 2020)

الأفق الاشتراكي:

الى الرفيق الهادي فريجه وهو يقيم احتفالية تراثية بغريب/ قبلي

اعتمد الماركسيون في دراساتهم للتراث بشكل عام والتراث العربي / الإسلامي بشكل خاص على المادية التاريخية، فأكدوا على ان للتراث ارتباطا وثيقا بالقاعدة الاجتماعية التي شكلت الأساس المادي لإنتاجه. وبالرغم من انطلاق الطيب التزييني من موقع فكري ماركسي تقليدي في مقاربته للتراث فقد حفلت قراءته بالبعد المثالي الفج أحيانا، إلا انه وللحقيقة يعدّ من أهم وخيرة من درس المسألة ضمن مشروعه المعنون ” مشروع رؤية جديدة للفكر العربي من العصر الجاهلي حتى المرحلة العصرية” وقد اعتبر أن المنهج الجدلي لقراءة التراث يتكون من :

  • النقد التقويمي أو السلبية النقدية وهي نقد الاتجاهات الفكرية السائدة والتي تري ان تنظر الى التراث العربي / الإسلامي من توجهات غير ماركسية
  • نقد ذو طابع ايجابي تركيبي يتمثل في انجاز البديل الثوري وتطويره أي اعتماد الفكرة القائلة توحيد المنهج بين التاريخ والتراث او الاستمرارية والاأستمرارية.

وفي تقديري أن البحث في التراث “العربي / الإسلامي” ، باعتباره موضوع  الحديث ،يجب ان ينطلق من الحقيقة الموضوعية القائلة بالاتجاه العام لتطور المجتمعات البشرية في خط تصاعدي متعاقب ومتوالد تطورت بناه الاقتصادية الاجتماعية من المشاعة إلى العبودية فالإقطاعية ثم الرأسمالية، ولن أضيف شيئا إن قلت وستليها حتما الاشتراكية والشيوعية في التطور الطبيعي، إلا أن البنية الاقتصادية الاجتماعية في العصور اللاحقة لظهور الحدث الإسلام، في جزيرة العرب وامتداداتها، فإن كان لها الطابع الإقطاعي فقد تداخلت الأنماط الاجتماعية فيها بشكل شوه نموها الطبيعي ، غير أنها تبقى متطورة ومتحركة تخضع للواقع الموضوعي في تناغم مع حركة التاريخ.

لذا ولزاما علينا أن ندرس المسالة من موقع حركي وغير منعزل عن قاعدته الاجتماعية، وفي ارتباطه العضوي بتطور العلاقات الاقتصادية الاجتماعية مهما شوهت وتزحزحت عن مسارها الطبيعي، ومنعكسات هذه التطورات على البني الفكرية للمجتمع،

وما زلت أرى أننا بعيدين عن إدراك الأبعاد الحقيقية للتراث الثقافي ولعلاقته بالفكر الجدلي، ولم نجيب عن السؤال المنهجي لماذا يميل اغلب المفكرون والفاعلون الثقافيون العرب “إن وجدوا” إلى الارتباط ولو ظاهريا بالمعتقدات وبالقيم والأنماط الغارقة في الأصولية التاريخية والاعتقادية المغلفة بالأساس بالنظرة المثالية للثقافة وللمنتج الفكري بل أكثر من ذلك بما هو ديني وقدوسي ينحى منحى التأليه للموروث الثقافي ذو البعد الديني.

إن علاقتنا بقضية التراث يجب أن تكون ابعد مدى وأكثر أهمية، سواء على الصعيد النظري الإيديولوجي او العملي الثقافي اوالسياسي وفي صلب الرؤية الماركسية للمسألة التراثية وفي إطار الخصوصية المجتمعية ، إذ يقوم الفهم الديالكتيكي للعلاقة بين القديم والجديد ، للتوارث والاستمرارية في التاريخ . ففي مجرى هذا التطور لا يأتي الجديد نفيا كاملا للقديم، إنما يثمن كل ما تضمّنه القديم من عناصر ايجابية، قابلة للحياة. ( قانون نفي النفي)

إن اقر ماركس ضعف الهيمنة الرمزية على المستوى النظري ، ونعتقد إنه ولكي تكون كذلك يجب ان يكون للفعل الثوري دور في الحد من قوة إعادة الإنتاج الاجتماعي لما يحمل في صميمه هيمنة الرمزية بشكل يحد من الإبداع الثقافي الثوري ويكبله العنف الرمزي من خلال توارث الفعل الثقافي الرجعي/الديني، وهو الإكراه الذي ينشأ من خلال خضوع المهيمن عليه إلى المهيمن، مما يجعل هذه العلاقة تبدو طبيعية والغاية منها تأبيد السائد الرجعي، والفنون بصفتها محرك أساسي للهيمنة ، تغلفها الجهات المهيمنة ببعض أدوات الشرعية الدينية والأصالة الثقافية، إما مباشرة، من خلال الاحتفالية التي يعدونها بإحكام ويبطنونها بجانب قدسي مرتكزين على قداسة الأصل والموروث، أو بشكل غير مباشر، من خلال تقنين وشرعنه الهيمنة والسيطرة على العقول ضمن المادة الاحتفالية ذاتها ودمجها في موروث ديني يصعب الهروب من تأثيره على الفئات الهشة والمهمشة.

والسؤال الحقيقي الذي يجب طرحه والإجابة عليه هو: ما مدى وقدرة الفاعل الثقافي الثوري/التقدمي لضرب هذه الهيمنة التي تستعمل الرمزي الرجعي والوهمي، لخلق فعل ثقافي ثوري يلتصق بهموم الطبقات المفقّرة والمهمّشة ويعالج مشاكلهم ويساهم في تحرير العقول من سيطرة المتخلف؟

مع إني اعتقد بل اجزم انه ليس من الواضح ما إذا كان هذا وحده سيؤدي في الواقع إلى تقويض سيطرة الطبقة المهيمنة. ليس هناك حتى تلميح مني أو تصريح إلى أنه سيخلق فرصا للمهيمن عليه ليتحدى الاستعباد والتبليد الفكري، فالتخلص من هكذا سيطرة لا يمكن أن يكون إلا من خلال تحول جذريا للمجتمع في بنائيه التحتي والفوقي عبر ثورة كاسحة، ولنا في المسألة حديث أعمق.

يتبع

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق