Uncategorizedأراء

حول الحل الاشتراكي وشروط الانتصار(1) أيها الاشتراكيون انهضوا من جديد؟

بقلم: محمد صالح التومي - المعروفي

الأفق الاشتراكي – آراء:

تصدير: “إن صنع التاريخ سيكون بالطبع أمرا مريحا للغاية لو كان الصراع لا يقع إلا بحظوظ ملائمة بصورة محققة لفائدتنا” (2).

مقدمة:

إن فكرة المساواة والعدالة كانت أعمق وأنبل ما حرك الجموع البشرية؛ سواء بصفة واعية أو بصفة غير واعية، خلال حقبة المظالم الطبقية التي جسمتها الأنظمة العبودية والإقطاعية، بمختلف أشكالها المرتكزة على خدمة الأرض، تلك التي سمح بها العمران الريفي وما استوجبه ذلك العمران بعد اكتشاف الزراعة وتجاوز مرحلة القطاف والصيد من استئناس لمختلف الحيوانات للاستعانة بها في هذا السبيل، ومن تسخير استعبادي للجهد البشري تحقيقا لنفس الغاية، وهي المظالم التي انبعثت الرأسمالية في الحواضر كامتداد لها، ولكن على أنقاضها في نفس الوقت، كونها تعتمد عكسا منها على الأنشطة التجارية والتحويلية والصناعية والربوية والمصرفية تلك التي طورها العمران الحضري في النواتات القروية بداية، ثم في المدن والأبراج بعد ذلك، والتي عُرف سكانها في الاصطلاح الأورومركزي السائد بالبورجوازيين؛

أما الاشتراكية وخاصة في طورها المنهجي الذي أتاحه اكتشاف المادية التاريخية والمادية الجدلية والذي جعلها تقطع مع أشكالها السابقة؛ من طوباوية حالمة أو فوضوية، فيمكن اعتبارها في تواصل مع فكرة المساواة والعدالة، بمثابة التعبير الأسمى لدى الإنسان عن رغبته في الارتقاء بالحياة الاجتماعية إلى طور أعلى؛ توفرت شروطه الموضوعية بمناسبة انتشار نمط الإنتاج الرأسمالي مع ما جاء به من تنظيمات اقتصادية وتأطيرات اجتماعية وتجديدات ثقافية وحقوقية… ولكنه بقي من المستوجب نحت وصقل كافة الشروط الذاتية الضرورية لانبعاث هذا الطور الجديد… وهي المهمة الأصعب كونها ترتطم بالترسبات المتجسمة في نوازع استعباد الغير لدى البعض، وفي القبول بالخنوع لدى البعض الآخر، وهي الترسبات التي خلفتها، بل ورسختها عصور المظالم الطبقية، فأضحت بمثابة التقاليد والعادات في بعض الأحيان… ومن المعروف أن العادات والتقاليد تصبح ـ في غياب الوعي ـ  بمثابة الطبيعة الثانية لدى الأفراد.

1: الانفضاح الرأسمالي؛

إن فلسفة الرأسمالية ترتكز على حرية المبادرة للفرد البشري وعلى تشجيع سعيه بكافة الطرق التتشريعية التي يقع سنها من أجله، والقمعية التي تقع ممارستها لفائدته، إلى تحقيق الربح والمغانم، وقد عملت الرأسمالية هكذا وضمانا لهذين الركيزتين من ركائز وجودها على تغييب البعد الاجتماعي للإنسان، بل وعلى سحق هذا البعد مرة واحدة عند الضرورة، فذلك ما جعلها تسمح لنفسها باستغلال قوة عمل العاملين في مؤسساتها، وبنشر الحرمان في صفوف المجتمعات عموما، وبنهب خيرات الأمم والشعوب المضطهدة، وكل ذلك بدون رحمة وبلا هوادة، معمقة بهذه الصفة مظاهر الجوع والفقر والمرض والجهل والأمية لدى الأفراد والفئات والطبقات المستغَلة، والقهر الوطني والقومي لدى الأقوام الواقعة تحت سيطرتها و سطوة نهبها.

 ويمكن اعتبار أخطر ما نجم عن الرأسمالية  في هذا السياق هو:

ـ تلويثها للبيئة الطبيعية، بل والقضاء الإجرامي مرة واحدة على بعض عناصر ومكونات كوكب الأرض  خدمة للمصالح الضيقة  لبعض الأفراد؛

ـ إشعالها لفتيل الحروب الماحقة وكثيرة التدمير تحقيقا لأطماع أصحاب رؤوس الأموال، وخير دليل على ذلك ما يسمى بالحربين العالميتين في المصطلح الأوروـ مركزي وهما في الحقيقة حربان رأسماليتان، كانت بعض الأجزاء من العالم مسرحا لهما فقط؛

ـ استعانتها بعمل المرأة مع محاولة المحافظة ما أمكن ذلك على وضعها الدوني الناتج عن معادلات المجتمع الذكوري، أو استغلالها في الحد الأدنى بصورة حاطة من اعتبارها وكرامتها ـ رغم مقاومة النساء في منظماتهم لذلك ـ خدمة لأهداف السوق، والتجارة ، والدعاية… مع الإيهام بتحريرها مما كانت تعيش عليه سابقا؛

ـ دوسها على جميع القيم الفكرية والأخلاقية التي ما انفكت البشرية تحاول ترسيخها من خلال التضحيات عبر مسار طويل وأليم من التراكم بما فيه من إشراقات وأخطاء كذلك، وذلك لتجعل كل هذه القيم النبيلة في خدمة القيمة الوحيدة التي تعترف بها ألا وهي قيمة المال ـ الإله.  

إن هذه الفوضى والاعتلالات لم يعد من الممكن مزيد تحملها، وقد انبعثت بعد في الوجود القوى التي تعمل على نقض وتجاوز أسبابها، وهذه القوى هي:

الحركات النقابية والأحزاب السياسية للعمال والمزارعين، وحركات التحرر القومي والوطني المعادية للإمبريالية، وحركات الدفاع عن الطبيعة والبيئة، وحركات السلم، وحركات تحرر النساء، وهي قوى ترتبط كليا بقضية الاشتراكية فيكون من واجب الاشتراكيين الالتحام معها، لكن بعد رفدها برؤية قيمية متكاملة لا يمكن تحقيق أي نجاح دائم لمساعي التغيير في غيابها، وذلك حتى يتسنى وبصورة ناجعة مقاومة الوحش الضاري لرأس المال، ومن ثمة تجسيم الهدف البشري القديم والمتجدد الداعي إلى تحقيق المساواة في أرقى صورها وأشكالها بين البشر.

وغني عن القول هنا، إن هذا الهدف لا يمكن أن يتحقق إلا بالقضاء على الرأسمالية بصفتها أعلى شكل من أشكال التنظيم الطبقي للاجتماع البشري، وذلك لأن الرأسمالية ورغم حداثتها كأسلوب إنتاج وإيهامها بتجاوز ما قبلها، قد أعادت في عالم المعنى، وفي الحقيقة إنتاج كل المظالم القديمة التي عرفتها الإنسانية في نطاق أنماط الإنتاج السابقة كاسية إياها فقط بأغلفة حقوقية براقة ومخادعة، بل إنها وأكثر من ذلك قد كثفت هذه المظالم وأبرزتها للعيان لأنها نزعت عنها وخاصة عند انطلاقها ثوريا ـ وحسنا فعلت ـ ما كانت تختفي وراءه من مسوح تزعم القداسة، رافعة في وجه هذه المسوح شعارات حرية التفكير والتعبير والمعتقد، ولكن فقط كلما كانت تلك المسوح التي تزعم القداسة حاجزا أمام مصالحها أو متراسا يعطل ما تنشده في برنامجها الحقيقي من حرية في ميدان الصناعة والتجارة والمضاربة… فتعاملها في هذا المجال يكتسي طابعا انتهازيا واضحا لا نقاش فيه مثلما أثبتت ذلك وقائع التاريخ.

ويمكن القول إنه مع انفضاح مساوئ التنظيم الطبقي الرأسمالي، قد توفرت الشروط التي سمحت وما زالت تسمح للعقل الإنساني بالتفكير جديا في السبل الكفيلة بتنظيم الحياة الاجتماعية على أسس منطقية وعلمية، بإمكانها أن تقطع مع عفوية التنظيم الغريزي الذي ما انفك يتحكم في تصرفات البشر ويخلق بينهم أسبابا للتزاحم الفوضوي وللتناحر وللحروب، ما أجدر الإنسانية بأن تبتعد عنها، لكي لا تترك لها مكانا؛ إلا في المتاحف التي تحكي تاريخ انحطاطها وتدهورها.

2. الاشتراكية وفيروس الدوغمائية.

ومن المفهوم بداهة هنا أن انتصار الاشتراكية  كنقيض في عالم المعاني لأحقاب المظالم الطبقية، لا بد له من حركة تمتلك وعيا تاريخيا صحيحا، ومناضلين يمتازون بسخاء ثوري فعلي، ولديهم قدرة كافية على العمل في كل الظروف ـ ولكن بعد الدراسة والتحقيق ـ بين أوساط عموم الكادحين والمضطهدين والمحرومين، بدون أن تفقدهم ملابسات الصراع أو النجاحات أو الإخفاقات أو التعرجات جوهرهم وروحهم التواقة إلى نبذ الفردانية والشوفينية والعنصرية، تلك الروح التي تدفعهم على الدوام إلى النضال من أجل نشر القيم التعاونية المبنية على نكران الذات والتآزر والتحابب بين أبناء الجنس البشري. إن هذا الأمر يطرح مهمة بسيطة في ظاهرها، ولكنها على غاية من الأهمية والتعقيد في جوهرها، وتتمثل على أيامنا هذه في إعادة تسليح حركة عموم الكادحين والمضطهدين في المدن والأرياف بوعي اجتماعي وتاريخي وسياسي صحيح، ومحاربة كل التأثيرات التي بثتها الدعاية الجبارة للرأسماليين والامبرياليين، والتي شوشت الرؤية في رادارات الفكر الاشتراكي، وخاصة بعد الفشل المرحلي للتجارب التي وقع خوضها خلال القرن العشرين، والتي انفتحت للأسف على عودة الليبرالية في وجهها الجديد (المسمى بالنيوليبرالي) بعد انكماشها نسبيا على إثر انبعاث الاتحاد السوفييتي كنقيض لها من داخل الرحم الجغرافي والثقافي والحضاري الأوروبي، محاولة بعد عودتها التي شهدت سقوط هذا الاتحاد حسم الصراع لفائدتها، وإنهاء التاريخ! (هكذا قال فوكوياما) وذلك بمحاولة إقرار عالم القطب الواحد وفرض النموذج الليبرالي، بل وحتى الليبرتاري كذلك (3 ) كنموذج لا وجود لغيره تحت طائلة الموت لكل من يقف في طريقها… وهو حلمها البائس في الحقيقة، منذ انتصارها ثوريا بفرنسا ذات 14 جويلية / تموز 1789.

وفي هذا النطاق لا بد من الوقوف عند مسألة أولية لها أهميتها القصوى، وتتمثل في أن الاشتراكية في صيغتها الأكثر منهجية المتجاوزة للفوضوية وللطوباوية والمنبنية على الجدل بين الوعي والمادة، تلك الصيغة التي تم التوصل إليها في نطاق التصدي للإجرام الرأسمالي بإبداع فكري لا نقاش فيه حتى إنها أطلقت عى نفسها اسم الاشتراكية العلمية، إنما كانت تهدف في الأصل ـ أي هذه الاشتراكية المنهجية ـ إلى صياغة رؤية علمية  حول العالم وسيرورته ما أمكن لها ذلك، وهكذا فإن الفكر الاشتراكي، وانطلاقا من التصاقه بالمناهج العلمية من واجبه أن يسعى إلى التخلي عن كل تعامل ميتافيزيقي مع النصوص المؤسسة له، وأن لا يتأخر مبدئيا عن النقد الذاتي لبنيانه أو عن مراجعة مقولاته كلما كان ذلك مستوجبا، وذلك لأنه لا يعتبر نصوصه التأسيسية نصوصا مقدسة، وبالتالي فهو لا يتعامل معها بجمود، بل يضعها على الدوام في غربال الحقيقة، وبإمكانه تصويبها كلما اقتضى تطور العلوم والمعارف ذلك، أو كلما اتضح عدم ملاءمتها لتحقيق الأهداف المنشودة… دون أن يمنعه ذلك في نفس الوقت من عدم التهاون في الدفاع عن هذه النصوص طالما أثبتت مقاييس العلم صحتها في هذا الجانب أو الآخر أودلت التجربة الميدانية على مضائها وفاعليتها.

وبالتالي، فإن الذي يجب أن يهم الاشتراكي على الدوام وبالأساس، إنما هو محاولة الوقوف على مدى توفر الشروط العلمية في كل النصوص التي تدافع عن قضيته، فلا اعتبار لديه لبعض القوالب المتخشبة والمتحجرة والمتكلسة التي ثبت عدم توافقها مع تطور الحياة والعلوم والمعارف… فكل النصوص قابلة للتعامل معها رفضا أو قبولا أو تعديلا أو إقرارا على ضوء تطور القوانين العلمية من ناحية أولى، ومدى إفادتها في الوصول إلى ما هو مطلوب عند الممارسة والتطبيق من ناحية ثانية؛ فما يجب أن نعرفه هنا وبكل وثوق هو أن ما أضر بالفكر الاشتراكي في تجربته التي كادت أن تنجح في القرن العشرين، ولكنها فشلت عند النهاية في مركزها السوفييتي، مع محافظتها على نجاحها النسبي ببعض الأماكن الصغرى مثل كوبا، إنما هو تلك الدوغمائية والإطلاقية التي تسلطت على بعض مقولاته، فجمدت نصوصه، وقد كان ذلك وفي كثير من الأحيان بصورة واعية من قبل البورجوازية الصغيرة، وهي تمارس عملية انسلاخها الطبقي البطيء بعد تحالفها مع الطبقة العاملة أثناء الثورات، ولكن لا لتتحول بموجب هذا الانسلاخ إلى نصيرة  للكادحين وتندمج مع قضاياهم، بل لتتحول إلى بورجوازية بيروقراطية لم تجد أنفع لها في هذا السبيل من سلاح الدوغمائية، فهو الذي يمكنها من فرض هيمنتها على المجتمع، ومن دعم الامتيازات التي أقرتها لفائدتها عبر تعرجات الصراع الذي توخت فيه بعد انتصار الثورات كل أساليب العنف السياسي والخداع الإيديولوجي.

فهنا يكون من الواجب التخلي عن تقديس الزعماء وعبادة الأفراد ـ وهذا أمر وقع فعلا وللأسف ـ والاكتفاء على العكس من ذلك  بالتعامل مع ما قدمه هؤلاء الزعماء والأفراد بعقلية الاحترام فقط، مخضعين ما كتبوه وما قالوه وما فعلوه إلى مقتضيات المناهج العلمية ومكتسباتها، فيقع تثبيت ما يجب تثبيته وتطوير ما يجب تطويره ونقد ما يجب نقده بدون تردد وبدون أدنى محاولة للتجميد والتخشيب.

ولنتذكر هنا وتدعيما لمثل هذا الخط من التفكير أنه حين جاء الماركسيون الفرنسيون إلى كارل ماركس وقد خشبوا كلامه حول تأثير العوامل الاقتصادية وأعطوها قيمة مطلقة (4)  كيف قال لهم وبكل بساطة:

إذا كانت هذه هي الماركسية  فإنني أنا كارل ماركس أشهد أنني لست ماركسيا(5). أما فلاديمير إيليتش لينين فقد قال في سياق شبيه:

“لسنا نعتبر أن نظرية كارل ماركس كاملة وغير قابلة للمس، بل إننا بالعكس تماما مقتنعون بأنها اكتفت بإرساء حجر الزاوية لعلم ينبغي على الاشتراكيين تطويره بكافة الاتجاهات، إذا هم أرادوا أن يسايروا الحياة… فهذه النظرية تقدم فقط المبادئ العامة المرشدة، والتي تختلف عند التطبيق العملي المخصوص”(6). وقد نادى تبعا لذلك بوجوب الانتماء إلى ما أسماه “الماركسية الخلاقة”، ونبذ ما أسماه أيضا “الماركسية الدوغمائية” .

وعلى هذا النهج سار أيضا ماو دزي دونغ حين تحدث سنة 1937 وهو في بداياته عن الزعماء الاشتراكيين قبل أن يصبح فيما بعد هو الآخر واحدا من ضمن أشهرهم، وذلك لما قال: “لا يجوز لنا أن نعتبر قضيتهم عقيدة جامدة، بل أن نعتبرها مرشدا للعمل“(7).

لقد فشلت التجربة الاشتراكية للقرن العشرين إذن في مركزها السوفييتي؛ فشلا مرحليا بفعل هذه الدوغمائية وأسبابها الاجتماعية التي أتينا على ذكرها، فيكون من الواجب الوعي بهذا الأمر ثم الاعتراف به أمام التاريخ بكامل الوضوح، لكي يكون بالإمكان التأسيس بعد الجزر لمد اشتراكي جديد.

3: جرائم الأوليغارشيا المالية العالمية؛

ولكن هذا الفشل لا يعني البتة نجاحا نهائيا للمنوال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الرأسمالي الذي تفرضه وترعاه “اليد الخفية للسوق”، كما أسماها آدم سميث في كتابه التأسيسي الذي حمل عنوان”ثروة الأمم”، حيث إن هذا المنوال زيادة على كل إخلالاته الوظيفية وجرائمه وحروبه، ولكونه أوغل في تمجيد الفردانية وحطم بكل منهجية كل تآزر وتعاون بين البشر قد وقف ـ وهذا على سبيل المثال فقط ـ عاجزا تماما وبصورة مفضوحة وعلى مرأى ومسمع من الجميع في بداية العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين  أي سنة 2020 عن احتواء آثار جائحة الكورونا التي سميت بعد تردد جائحة الكوفيد 19، والتي أجبرت ثلاثة مليارات من الأفراد على الانكفاء بمنازلهم والانزواء عن بعضهم البعض، وتركت مئات الآلاف من الأشخاص، وخاصة من كبار السن يواجهون الموت الأليم بدون أدنى رعاية، وأضرت بالمعطيات الاقتصادية لكل البلدان، ومست حريات الناس وحقوقهم بصورة فادحة؛ وإنما كان هذا العجز لأن المنوال سلم مقادير الدنيا إلى الخواص باسم الخصخصة، وباسم ما سمى باطلا بالإصلاحات (الخرابات في الحقيقة) الهيكلية، وقضى في هذا السبيل على كل ما هو عمومي وشرع أبواب الثراء الفاحش أمام كمشة معدودة من الأشخاص أصبحت بعد التنامي والتوسع الذي شهدته السياسات الاحتكارية، وخاصة في الميدان النقدي تسمى “الأوليغارشيا المالية العالمية”… وقد تجمعت بين أيديها عبر مسار عبثي وسيريالي وإجرامي كذلك جميع ثروات الكون بكافة أصنافها… فيا للهول!

لقد اكتشفت هذه الكمشة من الأشخاص ما يسمى بالشركات متعددة الجنسيات أو العابرة للقوميات والحدود، وتعمدت تجزئة مسار إنتاج المصنوعات جغرافيا جريا وراء أرخص قوة عمل في هذا المكان أو الآخرمن الدنيا، وعملت على تعويد الشعوب والأفراد على القروض والمنح والهبات المتأتية من فائض نهبها واستغلالها، نأيا بالبشر عن فلسفة الاعتماد على الذات، وإخضاعا للجميع لسطوة المال، وتفتق خيالها ضربا لقوة الطبقة العاملة على اللجوء إلى القوة الروبوتية عوضا عن القوة العضلية للكادحين مع الاعتماد، تبعا لذلك على أصحاب الكفاءات والمهارات العالية والاختصاصات الدقيقة، كما على الذكاء الاصطناعي ما أتاح لها التخلص من تكلفة كل قوة عمل و كل طاقة ذكاء وكل أسلوب إنتاج، وخاصة في العالم الزراعي تراه لا يخدم مصالحها الاحتكارية، فقامت في هذا النطاق بالتسريح التعسفي لكل من تعتبرهم فوائض بشرية والرمي بهم إلى ما يشبه سلة المهملات الاجتماعية، وأسمت تلك الجموع بكل صفاقة رأسمالية… جموع الزائدين عن الحاجة، بل وعملت  في هذه النطاق على ضرب مكسب التمتع بتقاعد مريح للكادحين بعد كد السنين وذلك بكل الطرق الشيطانية التي سيكشف الزمان مداها الإجرامي لأنها تعتبر هذا التقاعد مكسبا اجتماعيا للشغالين، تم الحصول عليه في زمن الثورة الصناعية ومعطياتها ومعالاتها وصراعاتها، ولم يعد متماشيا مع معطيات الثورة التكنولوجية ومعادلاتها التي تشرف هي على انفجارها وتمويلها في مختلف مراكز أبحاثها، حيث توجهها هناك في تلك الأماكن المغلقة وبواسطة جبال أموالها في الاتجاه الذي تريد .

إن مفهوم الجموع  الزائدة عن الحاجة يتجاوز بطبيعة الحال مفهوم ما كان يسمى بالجيش الاحتياطي للبطالين، ذلك الجيش الذي كان الرأسماليون يناورون من خلاله وينتدبون بعض عناصره عند مساومتهم أو طردهم لأصحاب الحقوق المكتسبة من عناصر الطبقة العاملة، وخاصة إذا تمكن هؤلاء بفضل وعيهم بالتشريعات وبحقوقهم المفتكة بأساليب النضال من الوقوف بصلابة نقابية في وجه المظالم والمناورات التي لا تنتهي لأولئك الرأسماليين.

فالطبقة العاملة التي كانت منظمة ومؤطرة في المعامل وفي مختلف مواقع الإنتاج، ما أتاح لها بفعل ذلك  إتقان تحركاتها النقابية ثم الحزبية، وجعل التعويل عليها في القضاء على النظام الفرداني ضرورة تاريخية لا بد منها، لم تعد اليوم وحدها في الميدان، إذ أصبحت زيادة على حلفائها القدماء في العالم الزراعي موجودة أيضا موضوعيا إلى جانب  الجموع الجديدة من الضحايا الزائدين على الحاجة والذين سوف لن نجدهم بطبيعة الحال مؤطرين في النقابات والأحزاب التقدمية التقليدية،  فتلك الأطر التقليدية كانت إفرازا كما سلف القول للثورة الصناعية ومعطياتها وصراعاتها، أما هذه الجموع الجديدة فهي إفراز للثورة التكنولوجية المتعاظمة ومعطياتها الجديدة، ولا وجود لمعامل أو لمواقع إنتاج لاحتواء وتنظيم حراكاتها؛

فمن هنا يمكن القول، إن الطبقة العاملة قد تناقص دورها التاريخي نوعا ما، ولكن دون الاضمحلال، وذلك بفعل التغييرات في سيرورات الإنتاج وفي تنظيم القوى المنتجة التي أتينا على ذكرها، فهذه السيرورات قد أفرزت القوى الاجتماعية الجديدة التي تشترك مع الطبقة العاملة في الغضب على الموجود الرأسمالي، ولكنها تفتقر إلى المؤسسات والأطر التنظيمية التي تمتلكها الطبقة العاملة؛

 4: التحالفات الطبقية الجديدة وضرورة الإطار الأممي؛

إن هذا يطرح في باب الواجبات الأكيدة أن يفكر حاملوا الفكر الاشتراكي المدافعون تقليديا عن الطبقات الكادحة، في كيفية التوجه أيضا إلى هذه الجموع الجديدة والاستفادة مما تحتويه من طاقات تنشد هي الأخرى نقض ما هو قائم، خاصة وأن هذه الجموع تشتمل على فائض الذكاء المتشكل من حملة الشهادات العليا الذين تخلص منه التنظيم الاجتماعي الرأسمالي ووضعهم ولو غصبا عنهم  في صفوف الاحتجاج.

إن هذه الجموع هي التي رأينا عناصرها يتحركون مثلا في مظاهرات “السترات الصفراء” بباريس، وهي إحدى مراكز رأس المال، ولكنهم كانوا يتحركون كما رآهم الجميع أيضا بدون بوصلة قيادية صحيحة مستغلين فقط، ما تتيحه لهم وسائل الاتصال والتواصل وإفرازات الثورة التكنولوجية التي هم ضحاياها، وذلك للتشبيك وتنظيم التحركات (وهذا معطى تنظيمي جديد لابد من استيعابه)؛

كما رأيناهم في كافة التحركات الاجتماعية العفوية بالهوامش والأطراف الرأسمالية، تلك التحركات التي شوهدت مثلا بالأقطار العربية وببلدان إفريقيا السوداء، وبدول أمريكا اللاتينية، وهي تحركات ناتجة عن وطأة الخصخصة وما يسمى ب”الإصلاحات” الهيكلية التي تفرضها”الأوليغارشيا المالية العالمية “وأذنابها وأعوانها من الكومبرادور في كل أصقاع الأرض، ولكنه تبين أنها تحركات يسهل اختراقها بالتمويل المشبوه وبالشعارات المغشوشة والمدسوسة بعناية وسط مكونات المجتمع المدني والقيادات المفبركة والمعدة سلفا في بعض الأحيان، وهي الشعارات التي تحيد بهذه التحركات عن حقيقة أهداف الجموع  ما دامت إلى حد الآن لا تملك ـ عدا غضبها المشروع ـ رؤية متكاملة وبرنامجا حقيقيا… ما يضع على كاهل الفكر الاشتراكي في نطاق تجديد مده بعد جزره واجب مساعدتها على التحول إلى حركات واعية تسير في الاتجاه التاريخي الصحيح.

وبناء على ما سبق، يمكن القول إن البشرية ما زالت ونحن اليوم في القرن الحادي والعشرين، تتلمس كما فعلت ذلك سابقا طريقها نحو أنجع السبل لتجاوز مرحلة سيادة الرأسماليين على الكون، ووقف الفظاعات التي سلطوها على من استضعفوهم من بني الإنسان، وعلى الطبيعة، وعلى كوكب الأرض، وعلى توازنات الحياة، وقد فعلوا ذلك بخبث منقطع النظير، وبأساليب مدروسة ومعدة في مراكز تفكيرهم، فلذلك هي أساليب متحولة ومتجددة طبقا لما تمليه عليه غرائزهم وأطماعهم الأنانية.

فهذا ما يدفع إلى التفكير بجدية في نوعية التحالفات الطبقية الجديدة التي يجب إقامتها في المدن والأرياف ضد هؤلاء المفترسين، مع فهم كامل ومخصوص هنا للدور الذي يجب أن يلعبه العالم الزراعي، لأنه عالم وقع تهميشه قصدا وعسفا منذ البداية وتوظيفه توظيفا مبتذلا في ماكينة الربح الرأسمالي، ذلك الربح الذي تمجده الطبقة الحضرية أو البورجوازية المتشكلة بالمدن من الصيارفة والتجار والصناعيين وأعوانهم أو عبيدهم الجدد ممن يزدرون عالم الإنتاج الطبيعي ولا يتعاملون معه إلا بقدر ما يدر عليهم من أرباح؛ عبر تغيير الموازنات الجينية الحيوانية والنبانية وتهجين أنواعها بغاية إدخالها في مسالكهم المصرفية.

إن هذه التحالفات الاجتماعية الجديدة يجب أن تقع بكل البلدان حسب متطلبات أوضاعها الواقعية، لأنه لا نجاح لأية مشاريع أو تحركات بدون هذا التأصيل المحلي، ولكنها يجب أن تدعو أيضا مع ترسخها محليا إلى قيام تنسيق أممي أصبح ممكنا أكثر فأكثر مع تطور وسائل الاتصال والتواصل، فهذا التنسيق الأممي من شأنه أن يوحد نضالات كل من يضطهدهم رأس المال من طبقات واقعة تحت الاستغلال ومن شعوب وقوميات وأمم  يتسلط عليها الاضطهاد وهو ـ أي هذا التنسيق ـ أصبح اليوم أكثر من ضروري، بل ولا بد منه أكثر من أي وقت مضى؛ لأن الرأسمالية باكتشافها للشركات العابرة للحدود خلقت بالفعل، لا بالقوة  مسارا عولميا لا تمكن مقاومته؛ إلا بالتعاون الأممي الذي يجب أن يتم مع احترام المجموعات البشرية لبعضها البعض أي إنه يجب أن يكون تعاونا مقبولا عن طواعية بين الأمم والشعوب وأن لا يسمح بأية نوازع هيمنية لمجموعة على أخرى، ذلك أن محاصرة المركز الامبريالي بواسطة الثورات الوطنية الديمقراطية المتعاونة مع بعضها البعض، والمدافعة عن أراضيها وعن حقها في خيراتها وثرواتها، وعن خصائصها التاريخية واللغوية والثقافية، وعن كياناتها السياسية القائمة في وجه العولمة العاملة جهرا على ملاشاة الدولة ـ الأمة والدولة عموما، هو أيسر سبيل في عصرنا هذا  للقضاء على الهيمنة العولمية  وللسير نحو الأفق الاشتراكي والأممي ضمن ظروف متطورة من الثروة والثقافة.

5: الثورة القيمية المرتجاة والمنوال الاجتماعي الجديد؛

إن الحركات الطامحة بالفكر وبالممارسة إلى تغيير جدي وجذري للأوضاع القائمة التي انبنى عليها العالم منذ قيام النظام الفرداني، وخاصة منذ نجاح الطبقة الحضرية أو البورجوازية ثوريا بالبلاد الفرنسية لا يمكن لها ـ أي هذه الحركات ـ بلوغ أهدافها وتعديل بوصلة الحياة الإنسانية؛ إلا بإعادة الاعتبار إلى البعد الاجتماعي للحياة البشرية وإقراره فلسفيا بصورة لا رجعة فيها، والاعتراف به وتضمينه في التشاريع والدساتير، والسهر على تأصيله في الممارسات اليومية لأفراد الجنس البشري، وخاصة من خلال المناهج والمضامين التربوية والتعليمية التي تؤطر الناشئة وتكون الأجيال الجديدة.

ولا يعني هذا تغييب البعد الفردي للكائن البشري (الذي يختلف طبعا عن البعد الفرداني والأناني المريض)  كما لا يعني عدم تشجيع الفرد على النبوغ والإبداع، وإنما يعني فقط  تغليب البعد الاجتماعي وجعل البعد الفردي متناسقا ومنسجما معه ومنصهرا بكامل الوعي فيه.

إن هذا يستوجب عملية خلق فكرية وفلسفية وثقافية وتنظيمية تتجذر في كل الجهود السابقة منذ ثورات وتمردات العبيد والمزارعين الفقراء وناشدي المساواة والحرية من المفكرين، كما تستلهم الزخم القيمي الذي تحتويه المنظومات الروحية عند انطلاقها قبل النجاح في تدجينها واحتوائها في غالب الأحيان من قبل أصحاب النفوذ، وهذه العملية يكون من واجبها أيضا، ولكن بهدف النقض والتجاوز لما هو قائم مواكبة  كل الأنساق المتسارعة التي ما انفك التنظيم الليبرالي يفرضها عبر تحولاته وتواؤماته مع كل الظروف التي له باع في خلقها مباشرة في نطاق الفعل، أو تلك التي يقوم ببعثها في نطاق رد الفعل عند مواجهته لمن يتصدون لمشاريعه الإجرامية.

إن المنوال الفرداني المهيمن حاليا قد ابتذل إنسانية الإنسان، وكان الوريث بامتياز لأحقاب التوحش البشري، إذ قام على استغلال قوة عمل الكادحين، وعلى ابتذال العالم الزراعي العماد الحقيقي لكل إنتاج، وعلى عدم الاكتراث بجوع وبمرض وبجهل الجموع البشرية، كما انبنى على الهيمنة الإجرامية على مقدرات الأمم والشعوب، وعلى معاملة الطبيعة بعدوانية، فهو لا يمكن له موضوعيا أن يستمر، ولكن الجهود الهادفة إلى نقضه وتجاوزه لا يمكن لها أيضا أن تحقق ذاتها؛ إلا بتوفر شرطين اثنين متلازمين:

أولهما: هو توصلها إلى قراءة الواقع؛ قراءة علمية صحيحة تستفيد من تجارب التغيير السابقة، ولكنها لا تحنطها أبدا في قوالب جامدة، بل تجعلها تتعامل تعاملا حيا مع واقع حي، فهنا يصبح من واجبنا الاعتراف بوضوح وبصراحة وبدون أية مواربة، بأن هذا هو بالضبط ما تفتقر إليه الحركات البديلة على أيامنا هذه، ما يجعل هذه الحركات تتخبط بصورة مشهودة في أزمات خانقة في كل مكان من الأرض تقريبا، فهذا ما يحتم مضاعفة الجهود في هذا الميدان عبر بعث مراكز للدراسات والبحوث والتوثيق تهتم بقراءة الواقع والتحقيق في معطياته ومستجداته المتسارعة من أجل استيعابها والنظر في كيفية تغييرها بصورة ناجعة دفاعا عن إنسانية الإنسان وتهذيبا نهائيا لنوازع توحشه الموروثة من قساوة ماضيه في ملكوت البهائم عند انطلاقه في الوجود، كما تأصيلا لهذا الإنسان في الطبيعة ودفعه إلى خلق أسباب التناغم والانسجام معها وعدم معاملتها أو معاملة كوكب الأرض والحياة عموما بعدوانية؛ لأن ذلك قد يكون سببا مباشرا في فنائه هو بالذات واضمحلاله في ذلك النطاق؛ فكل هذا يطرح بإلحاح إنجاز ثورة قيمية وثقافية جبارة تستند إلى الرصيد القيمي والثقافي الذي نحتته البشرية عبر مسار طويل من التضحيات وسطره أبطال الحرية والعدالة وكافة المؤمنين بالحق عبر المكان والزمان بدمائهم وبعذاباتهم، فهؤلاء قد تركوا تراثا زاخرا قد لا يراه الذين لم يفهموا أن الاشتراكية ليست بالمرة مدرسة لنشر الإلحاد ولا هي محكمة تفتيش داخل ضمائر الناس، وأن الدين هو قضية خاصة، لأن ما يهمها ـ أي الاشتراكية ـ إنما هو مكافحة المظالم والهيمنات، فهذا ما يدفعها إلى تحيين كل رصيد سابق يساعدها على إنجاز هذه المهمة متوسلة بإقامة صروح هذا الرصيد السابق على أسس علمية تمكن الإنسان من القطيعة مع نوازع الأنا المريض لديه، تلك النوازع التي تدفع به إلى ازدراء الآخر فردا كان أو جمعا وإلى احتقاره والتعالي عليه وممارسة الاستغلال والعنصرية تجاهه، ما يوجب هنا وبغاية بعث الإنسان الجديد، كبح نوازع هذا الأنا المريض لدى الأفراد بكل الوسائل التهذيبية والتربوية والتشريعية، وتمجيد قيم المحبة والتآخي والتعاون والتكاتف والتآزربين الإنسان وأخيه الإنسان وبين مختلف الأمم والشعوب عوضا عن ذلك، وبناء الحياة البشرية على هذا الأساس الأرقى الذي طالما انبعثت بوادره من قبل فوأدتها في كل مرة ترسبات التوحش التي جسمها التنظيم الطبقي للاجتماع البشري، وهي الترسبات التي جاءت الرأسمالية لتعطيها طابعها الأكثر نفاقا وخبثا ودهاء وتدميرا.

وثانيهما: هو إمكانية إيجاد الأشكال التأطيرية والتنظيمية والتفاعلية التي تستلهم لا محالة الرصيد التنظيمي السابق في المقاومات ضد المظالم الطبقية والهيمنات، وخاصة في أشكاله الحديثة التي استوجبتها مناهضة البورجوازية، ولكنها تعطي هذا الرصيد من خلال التشبيك والتشاركية واستغلال تطور طرق الاتصال والتواصل أرقى أسباب الفاعلية والنجاعة والديمومة، ما يوجب على الاشتراكيين حملة مشروع هذا التغيير العظيم وأحزم قوة عاملة من أجله على الدوام، أن يكونوا جنود الصدام من أجل الديمقراطية الكاملة للشعب، ومن أجل تحرير العالم الزراعي من الاستلاب المسلط عليه، ومن أجل قطع دابر الاستغلال والتهميش والحرمان، ومن أجل تحقيق الطموحات الوطنية والقومية للمجموعات البشرية المضطهدة امبرياليا (فالأممية هنا قومية ووطنية في بعض تمظهراتها أو لا يمكن أن تكون)، ومن أجل المقاومة المبدئية لكل هيمنة مهما كان شكلها اقتصادية أو لغوية أو ثقافية وخاصة للأقليات، ومن أجل الحفاظ على الطبيعة ضد عملية اغتيالها البطيء من طرف عصابات رأس المال، ومن أجل استتباب السلم ومقاومة الحروب العدوانية والتدميرية التي تذكي اللوبيات الامبريالية لصنع السلاح، ولما يسمى بإعادة الإعمار نيرانها باستمرار، ومن أجل المساواة التامة والفعلية بين المرأة والرجل، وأن يتقنوا ربط هذه المعارك المشتتة والمبعثرة نسبيا في راهن حالها، وإدراجها كلها في بوتقة المعركة الكبرى والشاملة:  معركة  تحرير الإنسان من كل عوامل اغترابه وانحطاطه وهي معركة الاشتراكية بالضرورة؛ ومن المفهوم بداهة هنا أن هذا الشرط الثاني لا يمكن أن يتم أبدا ـ وإلا فقد كل معناه ـ إلا في تناغم تام مع الشرط الأول ألا وهو شرط الثورة القيمية والثقافية المرتجاة والتي من الواجب أن تؤسس وبصورة دائمة لبناء منوال اقتصادي وسياسي واجتماعي وأخلاقي جديد.

بمثابة الخاتمة،

إن البشرية اليوم في مراكز رأس المال وفي الأطراف وحتى في الهوامش (فالأمر لا يتعلق بهذا البلد أو الآخر عند النهاية) ما زالت تتلمس طريقها نحو هذا الهدف العظيم ونحو هذا الطريق الجديد، وما تجارب القرن العشرين رغم فشلها المرحلي؛ إلا محاولات في هذا السبيل، ولا يدري أحد بالضبط على أيامنا هذه ونحن في بدايات العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين بالتقويم المسيحي السائد أين ستكون بدقة نقطة الاختراق التاريخية في جدار رواسب التوحش البشري الذي تجسمه اليوم سياسات العولمة الرأسمالية النيوليبرالية، ولكن هذه النقطة ستكون حتما في مكان ما ترتسم فيه وتتجمع كل مظالم هذا النظام الرأسمالي والامبريالي المقيت الذي مازال يرخي بسدول ظلامه وجرائمه على حياة البشر، والذي لا بد من مقاومته ونقضه وتجاوزه حتى تبرز للوجود معالم الإنسان الجديد الجدير بصفته كإنسان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1) يمكن اعتبار هذا النص تلخيصا تأليفيا مع شيء من التحيين لكتاباتي الشخصية السابقة وخاصة في كتاب ” الاشتراكية والبيرسترويكا” المحرر ـ سنة 1990 ـ وفي كتاب “تكون الأمم ” المحررـ سنة 1993ـ وفي الحديث الحواري المدلى به إلى مجلة “الهدف” العدد 1134 لسنة 1993، وفي مختلف دراساتي الأخرى المنشورة هنا وهناك وخاصة ببوابة “الهدف” الالكترونية.

2) من مراسلة كارل ماركس إلى كوجلمان بمناسبة  وقائع كومونة باريس ـ المراسلات ـ

3) مصطلح “الليبرتاري” مأخوذ من الكلمة الفرنسية التي تشيرإلى هذا المعنى، ويمكن فهم هذا المصطلح على أنه يشير إلى إيمان الأفراد والأطر التي تدافع عن الليبرتارية بكون حرية الفرد يجب أن تكون مطلقة وبلا حواجز ما يجعل الأمور يمكن أن تصل إلى حد الفوضى الاجتماعية والانحلال الأخلاقي، فإذا كانت كل من كلمتي “ليبرالية” و “ليبرتارية” مأخوذتين في الأصل من كلمة “ليبارتي” والتي تعني الحرية بمعناها النبيل في اللغة الفرنسية، فإن كلمة ليبرالية تقصر نفسها تقريبا على النشاط الاقتصادي والاجتماعي للأفراد، أما كلمة “ليبرتارية” فتذهب بهذه الحرية إلى مداها الأقصى في السلوك… وهو أمر عبثي أحيانا كثيرة.

4) ناقشت بدوري موضوع علاقة البنية التحتية بالبنية الفوقية بدراسة في 4 صفحات تحت عنوان: “معركة القيم” نشرت  سنة 2008  بجريدة ” العرب الأسبوعي” التي كانت تصدر بلندن، وكان من رأيى في تلك الدراسة أنه زيادة على الإضافة التي قدمها فريدريك أنقلز في رسالته إلى بلوش، سنة 1890(أي بعد 7 سنوات من وفاة صديقه كارل ماركس الذي توفي  سنة 1883 ) والتي أقر فيها بأن … “عناصر البنية الفوقية لها مفعولها في مجرى الصراعات التاريخية وفي حالات كثيرة تحدد بصفة طاغية شكلها”… فإنه لا بد من الاعتراف أيضا بأن دور عناصر البنية الفوقية قد يتجاوز عند ترسبها أو سيطرتها على الوعي مجرد هذا الدور الشكلي.

5) من الكلمات المأثورة لكارل ماركس.

6) فلاديمير إيليتش لينين ـ المؤلفات ـ 

7) ماو دزي دونغ ـ وهذا هو النطق الرسمي الذي يطالب به الصينيون لاسم زعيمهم احتراما لمخارج الحروف من الحلق ـ المؤلفات المختارة، المجلد الثاني، دور الحزب في الحركة الوطنية / 1937.

مقال منشور في موقع الهدف

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق