أراء

في المسألة الكردية السورية جلالة المتن وضحالة الهامش

بادئ ذي بدء، لابدّ من لمحة تاريخية موجزة يمكن الاستناد إليها لمعرفة التشابك بين المتن والهامش في أصل المسالة الكردية. الوجود الحديث : عيد نيروز 1921 ، انهار حلم الكرد ومعهم الأقليّات القومية الأخرى (شركس ، أرمن ، عرب) في انتزاع حقوقهم الثقافية، بفعل سياسة التتريك التي انتهجها مصطفى كمال أتاتورك إذ تمّ إعدام “سعيد بيران” قائد الانتفاضة رافقته تصفيات واسعة في المناطق الكردية (دياربكر / جنوب شرق تركيا) فشهدت المنطقة نزوحا هائلا لأكراد تركيا الى الشمال السوري حيث بدأ “القيتو” الكردي في التشكّل.

 وقد تمّ توطينهم من طرف الانتداب الفرنسي على شريط يوازي الحدود التركية في شرق الجزيزة العليا. فتكونت قرى زراعية كردية بمحافظة الحسكة (القامشلي ، الدرباسية ، عامودا ، ديريك ، تل أبيض…) عدا وجود تجمعين كرديين كانا يقيمان أصلا في الجزيرة ، وهما عشيرتا (الحسبان و الميران). أمّا الوجود الكردي في غرب الجزيرة (كوباني / عين العين ، عفرين جرابلس ، جبل الأكراد…) فهو وجود قديم. ولابدّ من التلميح إلى أنّ هذا التواجد يختلف عن مثيله في العراق وتركيا الذي يمتدّ زمنا في باطن التاريخ. ويستمر البقاء هامشي في المنطقة الى موفى نوفمبر 1962، حيث أعلنت الحكومة السورية أنّ عشرات الآلاف من الأكراد الساكنين في سوريا ليسوا مواطنين سوريين بسبب عدم توفر بيانات عن أجدادهم في احصاءات وسجلات النفوس العثمانية قبيل 1920 وهو ما يسمى بإحصاء الحسكة ، وكان على الشخص أن يتملّك وثائق تبيّن أنّه يعيش في سوريا منذ 1945.  اعتبر الأكراد هذا الإحصاء محاولة لتعريب المنطقة في حين أعلنت الحكومة السورية أنّ الهدف من الإحصاء هو التعرّف على المهاجرين غير القانونين من تركيا.  مهما يكن، إنّ هذه المجموعة لا تمتلك وثائق ولا جوازات سفر ولا يحقّ لهم التملّك ولا الزواج من السوريين ولا العمل في المؤسسات الحكومية ولا يمكنهم دخول كلية الهندسة والطبّ.  ماذا بقي للكردي المتلبس بالرّيح إذن؟* غير برزخ الربّ الفاصل بين الوجود والعدم.  يقول درويش “ليس للكردي إلاّ الرّيح تسكنه ويسكنها ، تدمنه ويدمنها لينجو من صفات الأرض…”

بفعل هذا الحيف انغلق معظمهم على كرديته بشوفينية صارمة وذلك نتيجة النزوع الحادّ للعروبة وصعودها للسلطة ممثلة بحزب البعث العربي الاشتراكي في صيغته العروبية المطلقة ذات النزعة العلمانية بعد عسكرة الحزب والتخفيض من وزنه لصالح الأجهزة الأمنية والمخابراتية واستئثار العائلة الأسدية بالسلطة التي جعلت من العربي الحقيقي فقط البعثي وبدأ تعريب العرب. وتحت شعار “الدين لله”، والوطن للجميع ” قاربت هذه النزعة العلمانية منابت دينية ومذهبية مختلفة كالإسماعليين والدروز والسنّة والعلويين، كذلك بين المسلمين والمسيحيين. لكنّها استبعدت الأكراد المتمسّكين بهويّتهم، لكن ليس بمعنى الاستئصال والاجتثاث , وحين كانت السلطة تدقّ أعناق المنظمات السياسية المعارضة (منظمة العمل الشيوعي السوري) في معسكر التعذيب في تدمر.  بالتنسيب توفرت حياة سياسية معقولة للأكراد السوريين – مراقبة دون شكّ – في حين يستمرّ الإنكار للوجود القومي الكردي.

لهذه المفارقة مقتضيات سياسية اقليمية تكون فيها الورقة الكردية مفيدة إلى حدّ ما تجاه تركيا والعراق (علاقة حزب العمال الكردستاني بالنظام السوري في الثمانينات). يقول ميشال كيلو “المعارض السوري” يعلم الجميع ، عربا وكردا بأنّ “أوجلان” قيمة مضافة للمخابرات السورية والكلام يلزم صاحبه. … مع العلم أنّه وفي 7 أفريل 2011 أصدر الرئيس بشار الأسد المرسوم الرئاسي رقم 49 والقاضي بمنح الجنسية العربية السورية للمسّجلين كأجانب في سجلات الحسكة، وأدرجت اللغة الكردية كمادّة تدرّس بمعهد اللغات، جامعة دمشق.  الوجود القديم: ويعود الى القرن الحادي عشر ميلادي مع حملة صلاح الدين الأيّوبي مع أنّ بعض المصادر تشير الى وجود بعض من تجمعات كردية في بلاد الشام يسبق زمن الأيّوبيين بعقود. عموما إنّ هذا القسم من الكرد انخرط اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا مع المجتمع السوري ونذكر منه بعض العائلات الكردية مثل عائلة الأيّوبي ، عائلة ضاضا ، عائلة بوضو ، عائلة الزركلي ، عائلة الزعيم ، عائلة كفتارو ، عائلة النقشبندي). معظمهم استوطن منطقة ركن الدين جبل قاسيون وتعتبر هذه العائلات جزءا لا يتجزأ من المجتمع الدمشقي إذ أنّ هذا الوجود المدني للكرد تعرّب لغويا وذاب في البيئات المحلية بفعل وحدة الدين وأنماط الحياة.  أمّا الذّين استوطنوا الرّيف (ريف حلب) فقد امتهنوا الزراعة وتربية الماشية واختلطوا بعرب وتركمان وآشوريين / سريان وأرمن.  سياسيا.  انخرط العديد منهم في الحزب الشيوعي السوري بقيادة “خالد بكداش” وهو الحزب الذي جمّع كل الطيف السوري تقريبا وأتاح للجميع فرص النشاط السياسي. وانخرط آخرون في الحزب القومي الاجتماعي بقيادة “أنطوان سعادة” . كما ساهم العديد منهم في النضال الوطني ونذكر منهم “ابراهيم هنانو” قائد الثورة السورية ضد الاحتلال الفرنسي لسوريا ولبنان، قدري جميل ، “خليل بكر ضاضا” ، “خير الدين الزركلي” وتطول القائمة. كما تبوأ حسني الزعيم رئاسة الجمهورية السورية الذي دامت فترة حكمه أربعة أشهر، زمن الانقلابات العسكرية). …إنّ المبدأ العام الذي لا خلاف حوله أو اعتراض عليه، في حقّ الكرد تقرير مصيرهم كشعب له هويّته وثقافته وتطلعاته في المساهمة في البناء الانساني كشعب حر مالك لقدره وحلمه السياسي في إقامة الدولة على أرض كردستان التاريخية التي حرم منها بفعل الترتيبات السياسية الدولية بعد سقوط الامبراطورية العثمانية (معاهدة “سيفر” ومعاهدة “لوزان”) .

..هذا حقّ لاريب فيه يجعل الانفصال وارد وهذا ما أعلنه “الاتحاد الديمقراطي الكردي PYD” بقيادة “صالح مسلم” الجناح السوري لحزب “العمال الكردستاني PKK ” المدجّج بوحدات حماية الشعب الكردي النواة العسكرية لقوى سوريا الديمقراطية (قسد) الذي ظهر كقوة عسكرية في الإقليم بعد انسحاب الجيش السوري، يكافح الارهاب مستفيدا من وجود “داعش”. علما أنّ المناطق المسيطر عليها في البداية غير متّصلة جغرافيا لكن ومع تحالف الــ PYD مع القوات الأمريكية أصبحت المناطق المسيطر عليها متواصلة حيث تمّ تدمير العديد من القرى والمدن ذات الأغلبية العربية مثل مدينة “تل أبيض” (120 ألف عربي)………..مدينة “منبج”، “عزاز” (200 ألف عربي). أي بدأ التطهير العرقي وفرض التواصل الأرضي بالقوّة مع إطلاق تسميات كردية على المناطق المسيطر عليها، في تعارض صارخ مع المادّة السادسة (القسم؟) لدستور الإدارة المحلية لكردستان سوريا الذي يدعو الى صيانة المناطق الفيدرالية وحريتها وسلامتها وأمنها .  وتمّ تشكيل كيان فيدرالي ذاتي في ثلاث مناطق شمال سوريا وهي “القامشلي” “عين العرب كوبائي” و”عفرين”  بالإعلان عن الإدارة الذاتية رسميا في 21 جانفي / 2014 الى جانب تشكيل حكومة إقليم ثمّ إقرار دستور للإدارة المحلية (الشيخ ” حميدي دهام الهادي” شيخ شمرخرسا” الذي قبل مؤخرا تعينه كحاكم مشارك في منطقة الحكم الذاتي). إنّ رفع سقف المطالبة بالإقليم في حدوده الجغرافية التي رسمها الحزب يعكس ضمورا في الميزان الديمغرافي في العديد من القرى حيث أغلبية السكان هم من العشائر العربية مثل (شمّر ، البكارا، طيء ، الجبور ) خاصة في “تل أريون ” “تل أبيض” “عامودا” منبج”. هذا النزوع للانفصال وجد تعبيره الأقصى في الشعار (لا عرب ولا سريان، هذي هي كردستان) في حين تنصّ المادّة السابعة من دستور الإقليم على أنّ هذا العقد لا يتطلّع الى بناء دولة جديدة أو تشيد مج؟ وبرز الحديث مجدّدا عن “روج آقائي كورستان” أو غرب كردستان غير واضحة المعالم جغرافيا بعد أن تخلّى “الحزب الديمقراطي الكردي” بقيادة “نور الدين ضاضا” عن التسمية السابقة “الحزب الديمقراطي الكردستاني” والذي تأسس سنة 1957 وهو حزب عتيق ومحدود الانتشار في ارتباط بالحركة الكردية العراقية الممثلة بالعائلات الاقطاعية التقليدية “لآل البرزاني” و”آل طالباني” لطمأنة السلطة السورية بأن أكراد سوريا لاغاية لهم في الانفصال وإقامة الدولة المستقلة .

بسريع القلم هذا نطلّ على مشهد أرابسكي متداخل ومتنوع ومعقدّ ومتشابك يطلب منّا الحذر الشديد من الانزلاق في تيمة سياسية شعبوية كي لا نكون مثل الإبر العمياء التي لا تخيط سوى الريح، فنسقط في فجيعة التشظي الذي رسمته دوائر رأسمال العالمي لشرق أوسط ديمقراطي. وجب علينا تأصيل هذا الحق المشروع في علاقة بالمجمل السوري في تعدّده الاثني والعرقي والديني والمذهبي والطائفي، وجب القول كما سبق وأشرنا بأن الكرد مكوّن من مكوّنات الشعب السوري لهم حقوق ثقافية واجتماعية وسياسية يلزم الاعتراف بها رسميا والإقرار بموجب ذلك للمشاركة في السلطة وإدارة البلاد وإلى بناء مجتمع مدني قادر على توفير مقوّمات بناء السلطة الوطنية الديمقراطية على أساس الانتماء الوطني السوري (أي داخل الدولة الوطنية وليس  خارجها) الذي يحترم التعدّد والتنوّع بكافة أشكاله الاثنية والثقافية والسياسية. وهي الصيغة الأنسب والتي تلبّي رغبة الأكراد في تقرير مصيرهم.  يقول لينين في كتابه ” الثورة الاشتراكية وحق الامم في تقرير مصيره “:  “إ نّ النضال الطبقي البروليتاري تحجبه وتؤخره الخصومات والنزاعات القومية”.

أذيل هذه القراءة بتصريح لرئيس “الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي” عبد الحميد درويش”. يقول فيه: “إنّ أيّ مطلب انفصالي هو خيانة للشعب الكردي” وأضاف أنّ اقتراحه أن تكون سوريا “دولة فيدرالية” لا يتمّ إلا بموافقة الشعب السوري”. وأنّ أيّ شكل من أشكال الحقوق القومية يجب أن يتمّ بقبول مكوّنات الشعب السوري .” وتابع قائلا “إنّ مستقبل الأكراد ضمن سوريا، وليس خارجها”. لأنّ الأكراد السوريين بحقوقهم السياسية والثقافية والاقتصادية وبهويّتهم وبفعلهم النشيط في إثراء المتعدّد السوري أهمّ من “روج آقائي كردستان “

***********************************

  • ندفع اليأس بالأغاني و نذر على الموت السكر” –نزيه ابو عفش
  • للذكر انقسم الحزب الى حزبين سنة 1963 “الديمقراطي السوري” (يساري) بقيادة “صلاح بدر الدين” والديمقراطي التقدمي الكردي” بقيادة “عبد الحميد درويش”.
الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق